(زيارة لوران درافيو( Laurant Darvieux

بين عامي 1658 و 1665 م

في النصف الثاني من القرن السابع عشر ، زار الفرنسي لوران درافيو مدينة طرابلس ، ويصف زيارته بقوله :

ووصلنا إلى طرابلس حوالي الساعة السادسة مساءً . ذهبت لأقيم عند السيّد ماركو قنصل بلدنا ، والذي أمضيت معه بمنتهى السرور مدة خمسة عشر يوماً ، بانتظار ردّ بطريرك جبل لبنان ، والذي كنت قد كتبت له بالموضوع الذي يدعو لمقابلته ، وقد رجوته إرسال رجلٍ ثقةٍ ليقودني إليه .

وكعادتي إستفدت من إقامتي لرؤية المدينة وجوارها والتي سأعطي وصفاً عنها :

طرابلس ( Tripoli) كلمة يونانية تعني ثلاث مدنٍ ، وفي الواقع كان يوجد ثلاث من هذه المدن الثلاث كانت إثنتان تقعان على شاطئ البحر ، والثالثة كانت تبعد ما يقارب ربع فرسخٍ ، وكانت تشكّل مثلثاً فيما بينها .

*- التي كانت تقع ناحية الشمال ، مدمرّة كلياً ولم يبق منها سوى أكداس من الطين ، ويبدو أن كلّ حجارتها تقريباً قد نقلت منها لإستخدامها للبناء في أمكنة أخرى .

*- الثانية إحتفظت باسم طرابلس ولا تزال قائمة .

*- الثالثة التي تقع على شاطئ البحر ، ناحية الشمال ، مدمّرة كلياً تقريباً كالأولى ويبدو أنها كانت محصنة وأسوارها كانت بالغة السماكة ، ولقد أحتفظ بعناية بالمخازن القديمة التي تستخدم لحفظ الحبوب والملح والبضائع الأخرى ، بالإضافة إلى أعتدة السفن والمراكب التي يمكن أن تدخل المرفأ . إن هذا المرفأ الذي كان بالغ الأهمّية فيما مضى ، هو الآن مطمور تقريباً بحيث لا تستطيع دخوله سوى المراكب الصغيرة . أمّا مراكب الإفرنج التي تأتي للتحميل منه فإنها ترسو في عرض البحر بحماية بعض الصخور التي تحميها من رياح الشمال ، أمّا القاع فهو من الصخور والرمل والوحل بكميّات كبيرة .

هناك أبراج صغيرة على شاطئ البحر ، فيها أشخاص يراقبون ما يجري في البحر ويرسلون المعلومات بواسطة الإشارات . المرفأ محميّ بستّة أبراج مربعة مزودة بالمدافع وذلك لمنع سفن القراصنة المسيحيين من دخوله ، وحيث أنها تحمي السكّان ومنازلهم فقد كان يبعد البرج عن الآخر مسافة رماية بندقيّة.وفي طريقنا من الميناء إلى المدينة ، يمتد سهل على ربع فرسخ ،طرفه الأيسر إلى البحر ، ويشكّل مرعى لقطعان الجاموس والثيران والبقر ، أما طرفه الأيمن فهو بمُجمِلَهِ بساتين من التوت الأبيض لتغذية دود الحرير ، ومن شجر المشمش والليمون والحامض والتين والرّمان والعنب ، وكل أنواع الأزهار ، أرضه خصبة بإمتياز ومرّوية جيداً بسواقي تتدفق من شلالات التلال المجاورة ، مما يجعل المنطقة جنة أرضيّة .تقع المدينة في وادٍ محاطٍ بجبلين عالين ، يخترقها نهر متدفق من جبل لبنان نبعه في عمق وادٍ عند أقدام الأرز ، ويكبر باستمرار من السواقي التي ترفده من الجبال ويسير إلى البحر عبر ضفّتين تغطيهما الخضرة وأشجار الحور وأشجار أخرى باسقة ، ممّا يجعلنا نعتقد أن المكان يتحوّل إلى جنّةٍ أثناء الربيع .المدينة متوسطة الكبر وهي مغلقة بأسوارٍ جيدة مزّودة ببوابات ، بعض الأبراج صغير ودفاعاتها قليلة ، ولكن تلك القائمة فوق البّوابات والتي عند الزوايا أفضل وأقوى .

البيوت جميلة ومرفّهة ، بناؤها متين ، ولأكثرها برك في غرف الخدمات ، ويوجد نوافير في الطبقات الأرضيّة ، مما يجعلها منعشة ولكن في الوقت ذاته رطبة ، ولكلّ دار حديقته وشرفاته . في المدينة مساجد جميلة وحمّامات رائعة ، وأسواق مقبّبة بالحجر ، وخانات كما في صيدا . ولكنّها أكبر وأجمل وأنظف ، وأفضل إضاءة .

الخان الذي يقيم فيه الفرنسيون ، يتوسّط باحته حوض ماءٍ يبلغ طوله خمسة وعشرين قدماً ، وعرضه عشرة أقدام ، وعليه سبيل ماءٍ متدفقٍ باستمرار .تقع القلعة على رأس تلّة في الجنوب ، وهي تشرف على المدينة كلَِّها ، ولكنّها هي أيضلً محكومة بجبالٍ أعلى منها وقريبة ، ولكن المدفعية لم تكن معروفة بعد ، وكان ينبغي الإقتراب منها على مدى منجنيق لتهديدها ، شكلها مربّع باستطالة ومحصنة بأبراج ضخمة ، سورها كبير مزّود بمرامٍ للسهام وفيها بضعة مدافع .إن سكان طرابلس أناس شرفاء ، نظيفون جداً ، إنهم أغنياء وعليهم سمات أبناء المدن ، فيها الكثير من الأتراك (يقصد المسلمين ) والمسيحيّين وقليل من المغاربة ، واقل من اليهود وهذا غير عادي ، لأن اليهود يحبون كثيراً المدن التجارية حتى لو لم يكونوا محبوبين فيها ، فالربح يقودهم حيثما كان .هذه المدينة تجارية بامتياز ، فالتجارة فيها رائجة ، وعلاوة على البضائع المصّرية التي تتواجد بكثرة ، وبضائع بلاد أكثر بعداً ، فإن فيها حركة تجارية مهمّة للحرير الذي هو من أنتاج البلد المحلّي ، هناك أيضاً تجارة الرماد الذي يُنقل إلى مرسيليا والبندقية لصناعة الزجاج والصابون وهناك الزبيب القادم من بعلبك والسجّاد والمنسوجات من الحرير والصوف والقطن . هذه التجارة هي التي تجلب للمدينة التجّار الفرنسيين والإنكليز والهولنديين والبنادقة الذين لهم فيها تجارة هامة.ليس فيها من الإرساليات سوى الكبوشيين الذين لهم فيها كنيسة ودير مع حديقة جميلة جداً ومُعتنى بها ، وهم فيها محترمون من الأتراك أنفسهم والذين ينظرون إليهم على أنهم أناس زاهدون في ثروات الدنيا ، فيحسنون لهم .

للروم فيها عدة كنائس وكاتدرائية حيث يوجد مطران وكثير من الكهنوت . وللكرمليّين فيها دار يقيمون فيها عند قدومهم من جبل الكرمل .

مترجم عن لوران درافيو (إنتهى )