زيارة (جون كارن ) إلى طرابلس

كتاب : سوّريا والأرض المقدّسة وآسيا الصغرى

“Syria the holy land Asia Minor and c:”

By: John Carne. (النصف الأول من القرن التاسع عشر)

طرابلس أجمل مدن لبنان منظراً ، بيوتها مبنيّة بالحجارة بنياناً متيناً . ثمّ هي في داخلها معّدة إعداداً نظيفاً ، تحيط بطرابلس وتزّينها الحدائق البهيّة التي تختلط بالمنازل في المدينة ، ثم تتجاوزها على مدى السهل الذي يفصل بين المدينة والبحر ، وإن هذا السهل الساحلّي بالإضافة إلى الجبال المجاورة ، ليجعل في متناول السكّان على بُعد مسافة قصيرة ، كل ضرب من ضروب المناخ .

وطرابلس أغنى بالحدائق والبساتين من بيروت ، وحظها من الوقاية الصحية يفوق حظ صيدا وعكّا . وعلى ذلك يبدو أن طرابلس تجمع كلّ ميزات الراحة والمشاهد البديعة والخصب ، وهي ميزات تغري الغريب ، الذي يلتمس العافية أو المتعة ، أن يؤثر هذه المدينة على سائر أجزاء لبنان ، فيجعل منها مقراً لإستجمامه .

أما مشهد الدرويشية على ضفّة قاديشا ، بين شجر الزيتون والليمون الحامض فحقاً ساحر . إنه لمنسَحَبٌ من دنيا الهّم والتجارب والشهوات ، إلى دنيا من الجمال الرقيق العذب الصامت المنفرد . كل معبر بجوار قاديشا شئ حبيب إلى الإنسان ، غاوي التأمّل . وفي تعاريج النهر خلال الوادي عزلة مستورة ريفيّة هادئة ، تستيقظ فيها الأفكار يقظة رفيقة بمسّ ٍِ من غمغمة المياه وشبابه الراعي .

وهذا المعبر الذي يسوق إلى إحدى الهضبتين لايلبث أن يطلّ على مرج فسيح من السهل بعرض ميلين ، مكسوّ بالبساتين حتى البحر ، ثم يطلّ إلى اليسار على الميناء بجزرها ومن وراء ذلك قمم لبنان ، وفي المقدمة البحر الجميل المترامي إلى لا حدود ، وناهيك بالجوّ النقيّ اللين البديع .

وترى على الميناء إلى يسار سلسلة من ستة أبراج مربعة منفصلة ، يبعد واحدها عن الآخر نحو عشر دقائق مشياً . ويبدو أنّها إنما أُعدت لأغراض دفاعّية عن الميناء ، فهي تقوم على البحر مباشرة ، ويدّل تصميمها على أنها من صنع عربيّ .وحوالي هذه الأبراج وفي البحر نفسه أعمدة كثيرة العدد من الغرانيت الرمادي على نحو ما يشاهد على الشاطئ إلى أيمن بيروت . ومن تلك الأبراج الستّة برج الأسود وقد إشتق إسمه _على ما يقال _ من رسم ترسٍ حُفر فوق مدخله وعليه أسدان كانا من قبل ظاهري الصورة والترس والأسدان شعار الكونت (1)" ريمون التو لوزي" . وكان (2) " بغدوين" ملك أورشليم ) 2-(Baldwin) 1- ( Raymond de saint _ jilles

لمّا إنتزع طرابلس من العرب بعد حصارٍ دام سبع سنوات ، قد نصّب " برتراند "(Bertrand) إبن ريمون كونتاً على طرابلس . وفي عام 1170 م أصاب المدينة زلزال كاد يأتي عليها . ثم إحتلّها العرب سنة 1289 م ، فأخربوها كلها على أنهم أعادوا بناءها فيما بعد .

وفي المدينة جملة تجاّر أوروبيين مستوطنين . وفيها قناصل لفرنسا وأنكلترا والنمسا إلخ . وأهم بضاعة فيها للتصدير بضاعة الصابون المصنوع في الجبال . وقد سبق أن كانت تصدّر منه نحو ثمانماية كنتال في السنة ، لكل كنتال ثمانون ليرة أسترلينية .

على أن تجارتها أصيبت مؤخراً ببعض التدني ، وتلي الصابون في الأهمية بضاعة الإسفنج ، وهو يؤخذ عن الشاطئ . إلاّ أن أجوده يكون على بعض عمقٍ في البحر .

تصدر طرابلس الصابون إلى طرطوس ومن ثم إلى الأناضول وجزر الإغريق كما تصدر مادة القلي لصنعه ، وهي مادّة تتوفر في الصحراء الشرقية . أما الخان الذي ينزله صنّاع الصابون فهو صرح كبير حسن البناء .

ولا ريب أن القصر إلى يسار وقبر أبي ناضر إلى يمين كلاهما شأن الخيام والمنازل الريفيّة يجب أن يسلمّا للدرويشية بالأفضلية في الرفاهية وحسن الموقع ويقال أن الدرويشية اليوم غير مأهولة . وأغلب الظن أنها تكون رحبة بالمسافر حتى المسافر المعتدل الدخل ، الذي يوّد أن يحطّ رحالة آجلاً ما في الشرق.

إن القيّم على مثل هذا المقام ليكونن إنساناً مغبوطاً في منزله الدرويشي هذا ، مع موقعه في وادي قاديشا حيث تصعد من بساتين الليمون والتوت والشقائق وسائر الشجر والنبات روائح تعطّر الهواء وتبرّده . ليس من شيء يعوز هذا المكان ليسبغ عليه الطابع البيتي سوى بعض الأثاث الإنكليزي والكتب والموسيقى . فيستطيع ساعتئذٍ أخو العزلة في دير قاديشا إذ يتمشّى على سطحه أو في الحديقة ، أن يتأمل الوادي والنهر والبساتين والمرتفعات الشاهقة على كل جانب . ويستطيع أن يتحدّى أقصى تخوم الأرض أن توفّر له ملاذاً أحبّ من هذا الملاذ ، يبعد عن المدينة بتجارتها الناشطة ومنازل تجارها الأصدقاء وقنصلها الودود نصف ميل . أما العواصف على شواهق لبنان إلى أعلى فتسمع ولكن لا يشعر بها . وارتماء الموج الطويل على الشاطئ البعيد يصعد عبر الوادي خفيتاً وكأنه مقبل من دنيا أحلام .

ثم( يتحدث المؤلف خلال صفحة كاملة عن الأدب الإنكليزي والشعراء ويسرح في تأملاته بلغة أدبية جميلة )

قصر في ضاحية طرابلس

على نهر قاديشا

المقول في هذا القصر أنه بناء عربي . لكن الأرجح أن الصليبيين هم الذين شيدوه . يقوم على منحدرٍ مطلٍ على طرابلس ، مظهره مظهر قلعة قديمة من قلاع الأشراف البارونات عهد الإقطاعيين . وقليلاً ما يدخله السائح إذ يكتفي بنظرة عابرة على منظره الكالح . ويجري على سفح جدران هذا القصر نهر قاديشا منسرباً عبر واديه البديع ليدخل المدينة.

إلى شمال ، مقهى يبدو كأنه جزء من الجسر الذي يمتد فوق النهر . والواقع أن هذا المقهى متصل بالجسر ، تنفتح في جداره نافذتان قنطريتا الشكل تؤديان النور إلى داخله الفظ الخشن . ومع ذلك ، يوفرّ هذا المقهى الفريد في وضعه أنساً ومأوى لكل تعب عطشان يلقى راحة هنا على حافة النهر العذب في ظل جدران هذا القصر .

إن جوار طرابلس جميل جمالاً خاصاً ، على كونه أقل تلوناً ونتوءاً من جوار بيروت . هنا في ضاحية طرابلس مغارس الكرم ومزارع التوت وليمون البرتقال والرمّان ومنابت الزيتون تطوّق المدينة من كل صوب . وتبدو من على الهضبة لوحة أرضية بهيّة تشتمل على جزء كبير من المدينة . ويتفرع عن نهر قاديشا فرع يجري عريضاً في شوارعها ، بينما تنتصب المآذن وتنبسط الأراضي المجاورة مكسّوة بالمغارس والجنائن .

بعض شوارع هذه المدينة واسع ( بالقياس إلى الشوارع في الشرق ) وفيها أبنية من حجر ذات طبقتين . غير أن المدينة جملةً ليس لها مشهد يدل على الإزدهار والرخاء . بل تلوح عليهاسيماء شيء هو إلى الإنحطاط والضعف أقرب .ويكاد المسافر يعجز عن ترك الإقتناع بأن أصلح أيامها قد إنقضى . لكن المدن الشرقية - والحقّ يقال – ترتدي غالباً مثل هذه السيماء البليدة التي لا روح فيها . فتبدو هنا عين ماء خربة ، ويبدو هناك ركام من المهملات والإقذار ، بينما الأعاشيب في الشوارع ومع ذلك لا يمكن أن تكون يد الدمار تعبث حقيقة بالمدينة .

في طرابلس أسواق ضيقة قائمة عظيمة الطول ملأى بالبضائع المعتادة . وتدور فيها الحرف والتجارات الصغيرة بنشاطٍ مرموق . ولمّا كانت المنطقة المجاورة تنتنج حريراً موفوراً من صنف جيّد ، كان أكثر الأهلين يشتغلون بحياكة الزنانير الطويلة المقّلمة التي يكثر لبسها في الأمصار الاسلامّية . والمقول أن التجارة هنا تكاد تكون إحتكاراً للمسيحيين ، ولا سيّما الأرثوذكس . ويقدر سكّان طرابلس بستة عشر ألفاً ، ثلثهم على التقريب نصارى .

وقد وجدتُ جملة من العائلات الفرنسية تستوطن المدينة وتهتم بفروع مختلفة من صناعة نسج الحرير . ويلحظ أحد السوّاح " المحدثين " أن الفرنسيين هؤلاء يرتأون إمكان إقامة تجارة رابحة في مادة الحرير الخام ، إذا تيسرت الأسواق للتصدير .

والإسفنج كثير على الشاطئ تلّقى منه القنصل الإنكليزي حملاً كاملاً خلال إقامتنا . ويمكن الحصول على هذا الإسفنج عن الشاطئ لكن أجوده يكون في البحر على بعض العمق .

ولم يتوفر حتى الآن تشجيع للصناعة والإنتاج في هذه البلاد المحكومة حكماً رديئاً ، مع أن خصوبة الأودية المجاورة كفيلة بإنتاج الحرير مضافة إليه مواسم أخرى ثمينة سخيّة . هذا عدا الجداول الغزيرة التي يمكن تسخير طاقتها لتحريك ضروب كثيرة من الآلات . فإذا ما قُدِّر لطرابلس أن تبقى في حوزة إبراهيم باشا ، حاكمها الحالي – وهذا ما يتمناه السكّان المسيحيون من أعماق قلبهم – فلا بدّ في أجلٍ أن تؤدي حكمته ورغبته في المشاريع إلى تحرّي هذه المناطق الثمينة تحرّياً دقيقاً ، وتعضيد مؤسسات النسج والتجارة

ملاحظة : - كانت الزيارة في النصف الأول من القرن

التاسع عشر ، أثناء حكم إبراهيم باشا المصري

إبن محمدعلي ، لطرابلس وبلاد الشام .

رحلة (جون كارن ) إنتهى