عبد الغني النابلسي(2)

رحلة عبد الغني النابلسي (الثانية)

" التحفة النابلسيّة في الرحلة الطرابلسـيّة "

عام 1112هـ ./1700 م .

في بداية الرحلة يذكر النابلسي تاريخ خروجه من دمشق وهو يوم الأثنين الثاني والعشرين من شهر ربيع الأول عام 1112 هـ ، وذلك لزيارة طرابلس بناء لدعوة من واليها حينئذٍ أرسلان باشا المطرجي . وكان وصوله إليها في العاشر ربيع الثاني 1112 هـ / أيلول 1700 م .

يرسل الباشا وفداً للقائه في قرية القلمون ، ومرافقته إلى طرابلس وإنزاله في الدار المعدّة لإقامته وهي دار حسين آغا جلبي آغا الميناء في طرابلس المحميّة ، يقول النابلسي :

" وفي ثاني يوم زارنا الفضلاء والعلماء ، منهم الشيخ أبراهيم النقشيدي الميقاتي وأخوه الشيخ يحي . ثم أرسل الباشا يطلبنا فذهبنا لمجلسه فتلقانا بالإكرام وجلسنا في داخل سرايته في إيوان مرتفع البنيان قد عمرّه جديداً ،وثالث يوم زارنا الفضلاء ومنهم السيد هبة الله أفندي -كرامة زادة - المفتي يومئذٍ بطرابلسي الشام والشيخ عبد اللطيف أفندي الشهير بإبن سنين ، ومنهم مصطفى آغا إبن خضري آغا ، آغاة القبي قول سابقاً في دمشق ، والشيخ عبد الله إبن الشيخ بدر الدين اليسري ، والشيخ محمد بن محمد الرحبي والشيخ علي بن كرامة .

ثم دعانا محمد جلبي خوجة زادة إلى الحمّام ، وهذا الحمّام يدعى بحمّام النوري . فيه بركة ماء متسعة مثمنة من الرخام الأبيض ، وفي داخله خلاوٍ كثيرة وأجران غزيرة ، وفي وسطه صفّة مدوّرة من الرخام .

ثم زارنا الوالي أرسلان محمد باشا ، وأدب لنا مأدبة شائقة في سرايته . ثم ذهب بنا إلى مكان لطيف خارج البلدة يدعى بعين أصلان . فنزلنا هناك على حافة نهر عظيم يصّب في البحر ، وبالقرب منه عين ماء رائقة هي التي يُنسب إليها ذلك المكان ، وحصل لنا النشأة والسرور ، وعندما حان وقت العصر ، مشينا مع حضرة الباشا على ساحل البحر ورأينا هناك الأبراج الرفيعة البديعة كأنها الكواكب السبعة ، تزهو بتلك الطلعة ، وأمامها مكان رحيب وفضاء واسع خصيب يسمّى بالمرج الأخضر . فسرنا والعسكر تعزف بألحانها والجياد تلعب بفرسانها إلى أن وصلنا إلى إيوان الباشا المطلّ على البقاع وهناك أنشد بين يدي الوالي ، الشيخ عبد الرحمن بن عبد الرزاق ، هذه الأبيات من قصيدة ( البسيط ) :

(2)

رحلة عبد الغني النابلسي(الثانية)

لله كم من مكان في طرابلس

مفرحٍ زانه حسن وإتقان

من كل قصرٍ مشيد للسما سما

فأعجب له وبه ماء غدران

والمولوية أضحت وهي زاهية

مثل العروس لها الأشجار تيجان

وعين أصلان تجري كالزلال لدى

نهر عظيم به الحصباء مرجان

وعندها السبعة الأبراج لا برحت

كواكب سبعة بالحسن تزدان

والمرج والمرجة الخضراء لس يرى

في الدهر مثلهما طرف وإنسان

وفي اليوم الثاني زرنا ونحن سائرون ، الشيخ الولي الصالح المعروف بعزّ الدين وقرأنا له الفاتحة وبالقرب منه حمّام يُقال له عزّ الدين يُنسب أليه .

ثم زرنا حضرة العلاّمة هبة الله أفندي المفتي المشار إليه ، وجرت بيننا مباحث علميّة أدبية ، وذكر لي مراسلة المرحوم محمد أمين المحبّي إليه عندما أراد تأليف كتاب " سلك الدرر في أعيان القرن الثاني عشر " ومن جملتها هذه الأبيات ( البسيط):

سقى الله طرابلساً صوب الحيا الذرف

وباكر المزن منهاكل مؤتلف

ارض إذا ما الصبا مرّت بساحتها

تحملت عنبراً من روضها الأنف

هل وقفة بمغاينها أبلّ بها

عليل شوق لها من مغرم دنف

وفي عشية النهار ذهبنا إلى الميناء راكبين فمتعنا الطرف بمناظر بحرها المتلاطم بالأمواج ،والبدر قد أشرق يرسل نوره على ذلك البحر فقلنا شعراً ( المنسرح ) :

اشرق بدر السماء على البحر

كمثل عقد المليح في النحر

تصقله الريح وهو يصقلها

تجري به وهو تحتها يجري

والبحر أمواجه ترددها

وسوسة المستهام في الصدر

زهت بمينائها طرابلس

زهو ظبيٍ برّقة الخصر

وقلنا أيضاً من قصيد : (الطويل )

(3)

رحلة عبد الغني النابلسي ( الثانية )

طرابلس تزهو على الأرض كلها

بسبعة أبراج تطّل على البحر

وفضة ذلك البحر مسبوكة بها

تحقق في الميناء معظمة القدر

وقد رأينا على شاطئ الميناء أنواع المراكب والسفن ، وبلغت أنواعها العشرين عداً . وهي تختلف عن بعضها بعضاً في الأشكال والهيئة ، و ما يُطلق على مركبٍ لا يطلق على الآخر ، وهي :

1-ماعونة، 2-غليون،3-غراب،4- قرة مرسل،5- زربونة،6- شائقة ،7- غلياطة،8- سنبكليّة،9- قايق قياسة،11- معاش،12- نقيرة،13-شختورة،14- فلوكة،15- شقلاوة،16-شوطية،17- شنبر،18-قارب،19- برمة،20-سكنبايّة وأسماء القلوع الشراعات كثيرة أيضاً.

وفي يوم الجمعة صليّنا في الجامع الكبير داخل خلوة الشيخ إبراهيم الميقاتي . وهذا الجامع متسّع الجهات،قيل أن أصله كنيسة وله في فنائه ضفف ورواقات ، وله في كلّ جانب من جوانبه الأربعة باب عظيم . وهو في وسط المدينة ،وفي وسطه بركة ماء كبيرة عليها قبّة عظيمة بأربع عضائد ، كل عضادة يحوطها اربعة رجال .وأعلم أن في طرابلس مدارس وزوايا ومساجد لاتعدّ ولا تحصى وسمعنا أنه كان بها ثلاثماية وستون مدرسة ، ولكن الآن أكثرها منهدم وغالبها مهجورة والجوامع التي تقام فيها الجمعة الآن إثني عشر جامعاً :

الاول :-الجامع الكبير المتقدم ذكره ، الثاني :- جامع طيلان ، وهو جامع بني خارج البلدة،قريب من الجبانة أسلوبه عجيب وتكوينه غريب، الثالث :-جامع المحمودية ، الرابع :-جامع الطحّان ،الخامس :-جامع الغنشاء (أرغون شاه) وهو من بناء الجراكسة،السادس :-جامع البرطاسية ، السابع :- جامع الأويسية ، الثامن :-جامع العطار ،قيل أن أصله كنيسة وقد عمّره رجل كان عطارا ًوكان ينفق عليه من الغيب ونُسب أليه وفي هذا الجامع أربع ضفف لكل ضفّة مدرّس له معلوم يتناوله من وقف الجامع المذكور ، التاسع:-جامع التوبة ، العاشر :-جامع محمود بك والذي بناه كان زعيماًوبناؤه كان في سنة 1100 هـ ، الحادي عشر :جامع التفاحي 0تم تجديده وتسميته: (الحميدي ) ، الثاني عشر :-جامع القلعة ولو ذكرنا كيفيتها لطال الكلام .

(4)

رحلة عبدالغني النابلسي ( الثانية )

وحيث ذكرنا الجوامع ( يقول النابلسي )فلنذكر أيضاً حماماتها لتتم الفائدة وهي أحد عشر حماماً الأول :- حمّام النوري المتقدم ذكره ، الثاني :- حمّام عز الدين وهو أكبر من حمّام النوري وأحسن منه ، الثالث :- حمّام الدويدار ، الرابع :- حمّام الطواقية ، الخامس :- حمّام العبد ، السادس :- حمّام القاضي ،السابع :- حمّام العطار ، الثامن حمّام الناعورة ، التاسع :- حمّام الحاجب ، العاشر :-حمّام القراقيش ، الحادي عشر :- حمّام القلعة . وفي الميناء حمّام صغير لطيف فيكون جملة ذلك إثني عشر حماماً على عدد جوامعها .

ثم دعانا الوالي إلى المولوية ، ذات الأشجار العطرّية ، فجئنا إليها فرأيناها كجنة النعيم وبها من الماء الطيف البارد الذي هو شفاء لكل قلب سقيم . وهي مرتفة البنيان تجري من تحتها خمسة أنهر ، وهي أشبه ما تكون بالربوة في دمشق الشام . وهناك مقعد لطيف عال يفوق سناه على البدر التمام ، يحاكي الغواني المطلة على تلك الرياض العاطرة الذكيّة والأنهار السبعة الجارية .قلنا : ( المجزؤ الكامل )

المولوية 000 جنّة

في الحرِّ حيث الحر نار

تزهو طرابلس بها

ومن الزهور لها إزار

ومعاطف الأغصان قد

مالت وأثقلّها الثمار

هي جنة الفقراء أهل

اللّـه ثمّ لهم قرار

وطريقها مثل الصراط

ومالسالكها قرار

وقلنا : (البسيط )

قف في طرابلس في سرحة الوادي

وانشد فوآدي إلى تلك الرباصادي

واستنشق العرف من ذات النسيم به

إذا سرى بين أغوار وانجاد

فيا سقى الله هاتيك الربوع وما

تحويه من نزهٍ لرائح الغادي

والمولوية ذات أماكن مرتفعة وفيها ثلاث ( ثلاثة ) مقاعد لطيفة ، الاول متسع ذو طوان بديع ، وامامه فسقية من الرخام الأبيض يتدفق منها الماء إلى فسقيه أخرى.

(5)

رحلة عبد الغني النابلسي ( الثانية )

وأمامه أيضاً مكان مرتفع مُعّد لأجل سماع الدراويش ,وهو كبير متسع عظيم الأركان وتحته النهريجري فيدخل البلدة ولهذا كانت مياهها مرتفعة توجد في أعالي القصور وبين هذا المقعد وهذا المكان المعّد لسماع الدراويش ، بركة ماء طويلة ينصبّ إليها الماء من هذا النهر بأنابيب ، وعدّتها ثمانية عشر أنبوباً . وبحذاء هذا المقعد مقعد آخر مرتفع بإيوانين أيضاً لكن ليس له ماء ، وتلقاؤه أيضاً ساحة أخرى فيها مقعد صغير بإيوان واحد ، يصعد اليه بسلم وتحته فسقيّة من الرخام وحواليها بلاط من الرخام ،وحول هذه التكيّة أشجار كثيرة وعرائش العنب وأشجار الناربخ وفيه أنواع الزهور ،وفي أسفل الوادي خمسة أنهار جارية ، وفيه عشرة طواحين دائرة على تلك الأنهار وفي ذيل الجبل ممر طويل ضيّق كأنّه الصراط .

ثم ودعنا الإخوان وسرنا عائدين إلى الأوطان فوصلنا إلى قناطر مرتفعة يجري من فوقها نهر عظيم هو الذي يدخل بلدة طرابلس ويقال لهذه القناطر ، قناطر البرنس .وبالقرب منها جسر عظيم واسع مرتفع يجري تحته نهر عظيم يقال له جسر المحموديّةوعلىهذا النهر من أوّله إلى آخره طواحين لا تحصى ".

رحلة عبد الغني النابلسي الثانية

(أنتهى )