عبد الغني النابلسي(1)

رحلة عبد الغني النابلسي (الأولى )

"الحقيقة والمجاز في الرحلة إلى بلاد الشام ومصر والحجاز "

بدايتها غرّة محرم عام 1105 هـ . ختامها 5صفر عام 1106 هـ .

الثاني من /2/ أيلول عام 1693 م (الجزء المتعلّق بزيارة طرابلس )

يقول النابلسي :

" وكان ذلك اليوم يوم الأحد الخامس والعشرين من المحرّم من هذا السفر المبارك إن شاء الله تعالى ،فركبنا وسرنا إلى جهة طرابلس المحروسة ذات الربوع المأنوسة .ثم سرنا إلى أن دخلنا إلى مدينة طرابلس المحروسة ,قال القاموس :طرابلس بفتح الطاء وضمّ الباء واللاّم بلاد بالشام وبلاد بالمغرب ، والشاقية أ طرابلس بالهمز أو رومّية معناها ثلاث مدن ،إنتهى ، يعني أي هي كلمة روميّة وليست بعربيّة . وقال ياقوت الحموّي في المشترك ،أ طرابلس موضوعات الأول المدينة المشهورة على ساحل بحر الشام بين عكّار وإنطاكية يُنسب إليها قوم من أهل العلم الثاني أ طرابلس مدينة في أول أرض أفريقية يُنسب إليها آخرون . وقد فرّق بعضهم بينهما فجعلوا التي بالشام بالهمزة والتي بالمغرب بغير همزة إلاّ أن المتنبيّ خالف هذا فقال يذكر الشامّية :(وقصّرت كل مصرٍ عن طرابلس ) .وقيل معنى طرابلس بالروميّة ثلاث مدن إنتهى ".نزل النابلسي في سرايا الوزير ،في مكانٍ مرتفع مطلٍ على البحر وطفق يزور الأماكن والأشخاص إلى أن زار في اليوم الثاني لإقامته في طرابلس مسجد البرطاسي ويقول عنه:

"ثم ذهبنا إلى مسجدٍ هناك لطيف البناء ، ظريف الفناء ، فيه رواق مطل على نهرٍ جاري فيه ماء سلسال .عذب رايق زلال .يسمّى بنهر الغضبان وهو تارة ناقص وتارة ملآن. وذلك المسجد مكتنف بجسرين عاليين مبنيين بالحجارة يدخل الداخل في كل جسر منهما في باب من أبواب المدينة إلى جهة ذات عمارة . فقلنا في ذلك بلطيف

الإستشارة وظريف العبارة :

" كنت بين الجسرين من فوقِ نهرٍ ماؤه العذب كم له ظمـآن

في رواقٍ بمسجدٍ نحن نرضـى أن نراه ونهره الغضبـان "

(2)

رحلة النابلسي (الأولى )

محّرم 1105هـ / أيلول 1693 م

وعن زيارته للمولّوية يقول :

حتى وصلنا إلى تكيّة المولوية ، وأقبلنا على ذلك الوادي السعيد والمرج النديد ، فإذا هو جنة للأبصار ، ونزهة للنظاّر . فجلسنا في مقعد عالي .يطلع من كل زهرة في سمائه كوكب متلالي . وفي ذلك المقعد بركة من الماء لطيفة ، وحوله الأشجار وعرايش الأعناب به مطيفة . يجري إليها الماء من نهر هناك عالٍ في ذيل ذلك الجبل ، يمرّ في الجهة العالية من تلك التكيّة. وفي اسفل الوادي خمسة أنهارٍ جارية بين البساتين كسبايك الفضة النقّية .وكم في تلك التكيّة من مقعد لطيف البناء، واسع الفناء نزهة للخواطر، ملاعب للنسمات العواطر .وفي ذلك الوادي طواحين على تلك الأنهار دائرة كأن قلوبها نقط وهي عليه دائرة .حتى أستقرّ بنا مجلس الإيناس .وإطمأنّت خواطرنا بمسامرة الجلاّس . وقدمت لنا الضيافة وحصلنا على كامل المسرّة واللطافة . وقلنا في صف ذلك المكان بعونِ الملكِ المناّن:

مكان لطيف للدراويش يحتوي

على نُزَهٍ شتّى ومنهله الروي

أتينـا إليه في الصباح تبّركـاً

بمنظره الأبهى وساعدنا القوي

يمحو النسيم الرطب غصونـه

فتحنو عليه كلّ وقت وتلتوي

سقى الله منه جنة ذات بهجة

إليها صراط فوق مرجتها سوي

ألم تنظر الأنهار من تحتها جرت

و أطيارها غنّت لحوناً بلا روي

طرابلس الشام إزدهت وتفاخرت

بتلك فيا طوبى لمن ثمّ ينـزوي

ويشهد نور الصالحين بها وفي

مناهلها تلك الشهيّة يرتـوي

وكيف وأنوار المشايخ أشرقت

بها وتلا التالون أسرار مثنوي "

ثم في اليوم الثاني زار النابلسي القلعة والمولوية فيقول :

" فذهبنا إلى قلعة تلك البلاد .مع جماعة من الإخوان الأكارم الأمجاد .ورأينا على حاجب وجه ذلك الباب هذين البينين فتفاء لنا بحصول الهنا حيث دخلنا على قوم ذوي ألباب وهما قول بعضهم :

ياقلعة حازت لأعلى منظر

ما في البلاد جميعها لكِ ثانية

من حلّ فيك جاءه كلّ الهنا

فالله يعطي ساكنيك العافية

(3)

رحلة النابلسي (الأولى )

ثم دخلنا إلى القلعة وقد أقلعنا عن المسأة والهموم أكمل قلعة ، وتفرجنا على الحمّام الذي هناك ، وهو حمّام لطيف .عذب الماء نقّي نظيف . ودخلنا إلى ذلك الجامع الذي هو لأنواع المحاسن جامع . ثّم خرجنا فقصدنا جهة التكيّة المولوية . ومررنا على تلك المرجة الخضراء البهيّة . وزرنا مقام الخضر . ثمّ عطفنا على الروضة الغنّاء ذات الغصن النضر وجلسنا في وادي الزهور وإنتظم شملنا على جانب ذلك النهر بنفحات الاقاح والمنثور .ولله در القائل فيمن هو تحت تلك الظلال قائل :

سقيالها من بطاح خضرٍ

ودوح زهرٍ بها مطلّ

إذ لا ترى غير وجه شمسٍ

أظلّ فيه عِذار ظلٍّ

وقلنا أيضاً :

صفاء وماء ثم لطف مع الهوى

ونور ونار ثم روح لها جسمُ

رياض أنيقات وأنواع خضرة

طرابلس منها يروق الإسمُ.

ثم ذهبنا إلى القناطر التي هناك .وهي بعيدة عن البلاد مقدار نصف ساعة بحساب أهل الأفلاك . فرأيناها قناطر عظيمة عالية .وهي بين تلك الرياض ذات القطوف الدانية ، متصّلة من الجبل . يجري فيها الماء الواصل إلى بلاد طرابلس الشافية من الخبل ،وهي نحو سبع قناطر يمشي عليها بعض الناس ,فتسّر الناظر والخاطر , وقد أنشدنا في ذلك العهد ما يذاق منه السكّر والشهد :

سقى الله عهداً بالقناطر وافياً

طرابلس أهدت به الوَّد صافيا

فيا حبذا ماء جرىفوقهاوقد

حلَـى درراً منثورة ولآليـا

بمرجٍ زهت منه الجوانب أخضرِ

ونهر كسيف سار بالنبت حاليا

جلسنا كما شاء الإله بمجلسٍ

هناك عن الأكدار قد كان خاليا

وهبّت نسيمات علينا عشية

فأنعشت الأرواح تهدي الغواليا

فلله ذاك العهد ما كان في الرّيا

ألذّ وأهنى منه لو كان باقيا

قطفنا به زهر المنى من غصونه

و لا تقطف الأذواق إلاّ الأمانيا

ثمّ يذكر النابلسي بالمناسبة ألإمام حسن البوريني الذي زار طرابلس قبله وينقل عنه قوله:

"تأملت المدينة المذكورة فرأيتها واقعة في سفح جبلٍ من جانب القلعة لكنّها ممتدة "

(4)

رحلة النابلسي (الأولى)

من وسط الجبل إلى التل الأحمر الذي هو آخر المدينة ،وأول المرج الأخضر ، والقلعة مرتفعة فوق المدينة تشرف عليها وتنظر إليها وهناك مياه مقبلة على قناطر من أماكن بعيدة مرتفعة وهي قناطر بناها البرنس وهو ملك من ملوك النصارى كان ملكاً في ولاية طرابلس فجلب إليها الماء على القناطر العظيمة وهي عالية ، فلذلك تجد غالب أبنية طرابلس مشتملة على الماء ولو كانت عالية . رأيت في طبقتين سلميّن عاليين وفوقهما الماء الجاري .(إنتهى كلام البوريني )

وفي طريق العودة يعرج النابلسي مرّة أخرى على المولّوية تلبية لدعوة بعض الاخوان وبعدها يعود إلى المدينة ماراً بالمدرسة الظاهرية فيقول :

"ثم عدنا إلى أماكننا في تلك البلاد . ومررنا في الطريق على مدرسةٍ بناها بعض المتقدمين من الأمجاد . وقد دُفن فيها ولدان للملك الظاهر أحدهما (سلامش ) والآخر (سعيد) عليهما رحمة المبدي المعيد . فقرأنا لهما الفاتحة ودعونا الله تعالى .

ثم في اليوم الثالث من صفر ، عزم النابلسي على مغادرة طرابلس وكان يوم الأحد اليوم الثاني والثلاثين لرحلته ، فذهب لوداع الوزير (علي باشا ) عند بركة البداوّي ثم عاد ليوّدع إخوانه ، يقول :

" ثم جئنا إلىالمنزل وعزمنا على المسير من طرابلس المحروسة . فوّدعنا الجماعة والأصحاب والاخوان والأحباب . وفارقنا مجالسهم المأنوسة ،وحين مررنا في السوق وجدنا في دكانٍ هناك الرجل الصالح الشيخ عبد القدّوس المصري الأصل فسلّمنا عليه وزرناه وسألنا منه الدعاء فقرأ لنا قوله تعالى :*إن الذي فرض عليك القرآن لرادكّ إلى ميعاد *وهو رجل من الصالحين إتخذّ له دكاناً في السوق لا يبيع فيها شيئاً من الأشياء غير أنّه جالس فيها للذكر والعبادة وإجتماع الاخوان به والمحبين والمعتقدين له ز فإذا دخل المساء ، قفل دكانه وذهب إلى حجرته في الجامع وقفل عليه بابها من الداخل فلا يراه أحد الى اليوم الثاني . ثم ذهبت في الطريق . وقد ذهب معنا لوداعنا من أهل ىالبلاد كلّ رفيقٍ رفيق حتى مررنا على قبر الشيخ فضل الله من أولياء الله تعالى فزرناه وقرأنا له الفاتحة . ودعونا الله بما تيّسر من الأدعية الصالحة ، ثمّ لم نزل سايرين إلى القلمون "

زيارة النابلسي (الأولى ) أنتهى .

1963م