حكمت بك شريف

طرابلس في القرن العشرين ( في الربع الاول)

من كتاب طرابلس الشام منذ اقدم ازمانها الى هذه الايام (تأليف حكمت بك شريف )

يقول:

ان مدينة طرابلس بلدة غزيرة المياه، كثيرة المنتزهات والحدائق والبساتين والرياض الغناء، المكللة بانواع الزهور الرائعة والرياحين والاثمار المختلفة فمن اشجارها: الليمون بانواعه، كالبرتقال والزفير والحلو والحامض والهندي، والمشمش اللوزي والكلابي وغيهر والتفاح والخوخ والتوت والدراقن واللوز الاخضر المسمى ( عقابية ) والقراصية والجوز والكمثري والسفرجل والرمان والزيتون والكرم بانواعه والتين الخ..الخ

ومن مزروعات طرابلس الحبوب بأنواعها وهي: الحنطة والشعير والباقياء والكرسنة والذرة الصفراء والذرة البيضاء والفول واللوبياء المتنوعة والبامياء والبندورة والكوسا والباذنجان المتنوع والكرنب واللفت والقرنبيط والملفوف والشوندر والبصل والكراث والثوم والفجل بأنواعه والقلقاس والسلق والسبانغ والارضي شوكي وما ماثل ذلك من الخضراوات والبقول التي يعلمها الجميع فلا حاجة الى تعدادها. ونهر ابي علي السابق ذكره، يسقي تلك الجنائن بمياهه الدافقة، يأتيهامن منبعه من عين يقال لها ( عين المقدم ) تحت قرية بشري في جبل لبنان وعليه جسران داخل البلدة وثلاثة خارجها. وهو بعد ان يدير طواحينها ويسقي بساتينهايصب في البحر المتوسط عند برج بديع يسمونه ( برج رأس النهر) والقلعة تشرف على المدينة وهي الآن متخذة حبساً عاماً.

و في طرابلس ثمانية حمامات قد سبق ذكرها في رحلة الشيخ عبد الغني أفندي النابلسي، وهو قد ذكرها إثني عشر حماماً، أما الباقية فهي ثمانية حمامات وهي: 1-حمام الجديد 2-حمام النوري 3-حمام العبد 4-حمام عز الدين 5-حمام النـزهة 6-حمام القاضي 7- حمام الحاجب 8-حمام العطار وهي بغياة الاتقان والنظافة.

وفي طرابلس إثني عشر جامعاً وهي : الجامع الحميدي ( الذي كان معروفاً بجامع التفاحي قبلاً ) انشئ في ظل سيدنا ومولانا الخليفة الأعظم أمير المؤمنين السلطان الغازي عبد الحميد خان الثاني، أيده تعالى بنصره، وجامع آخر موسوم بهذا الاسم الشريف في موقع التل، ومن آثار جلالته أيضاً أيده الله تعالى. والجامع الكبير المنصوري وهو أكبر الجوامع أنشئ سنة 693 هـ وجامع العطار، وقف الشيخ ناصر الدين العطار المتوفي سنة 749هـ.

وفي الجامع الكبير المشار اليه حجرة مخصصة تشرفت بها الآثار الشريفة النبوية. على صاحبها افضل الصلاة وأتم التحية . وهناك كثير من الجوامع منها: المعلق والاويسية ومحمود بك و المحمودية وطينال والتوبة وأرغونشاه وسيدي عبد الواحد. وفي طرابلس كثير من المساجد والتكايا والزوايا والمدارس أيضاً ضربنا عن ذكرها صفحاً.

وفيها بيمارستان بناه الأمير بدر الدين محمد الحاج أبو بكر أحد الأمراء في حلب، المتوفي والمدفون فيها سنة 742هـ . وخانقاه معدة لسكن الأرامل والنساء الفقيرات والبائسات.

ومن مباني طرابلس الحديثة، دار الحكومة السنية التي صرف على اشادتها نحو ثمانية الف ليرة عثمانية. وهذه الدار كائنة على جادة الميناء التي أشيدت على جوانبها الدور الرفيعة والأبنية البديعة تحاكي قصور الجنان في الحسن والاتقان.

ومن الأبنية الواقعة في الجادة المذكورة، المكتب الإعدادي والجامع الحميدي وقهوة جنينة التل ونزل الشرق، وقد سبق لنا وصف التل. فهو أحسن أماكن المدينة منظراً، فيه من الاشجار الغبياء والرياض الغناء والمياه الدافقة لذلك يقصده الاهلون للتمتع بتلك المناظر الأربعة ، علماً أن هذا المكان كان في ما سلف من الزمان بلقعاً وإن شئت فقل قاعا ًصفصفاً.

ومن منتزهات طرابلس مقام البداوي المشهور. وهو موقع لطيف الى الجانب الشرقي من طرابلس على مسافة نصف ساعة في الطريق الآخذ الى حمص ، وفيه ينابيع ماء فائق الزلال. وقد أحاطوه أخيراً برصيف مدور ذي مصاطب مبلطة بالرصف المتلون، ويبلغ محيطه نحو 80 ذراعاً. وفي ذلك الماء ترى الأسماك تلمع كالفضة الناصعة، ويقصده الناس للفرجة والنزهة و الزيارة معاً، تبركاً بمقام البداوي ( رحمه الله تعالى ) الكائن بحذائه ودونه مصلى لطيف.

ومن متنزهات طرابلس أيضاً ( البحصاص ) وهي الى الجانب الجنوبي منها، وهناك عيون ماء لطيفة يستقي الأهلون منها – خصوصاً من كان مرفهاً- لجودة مائها وحلاوتها. ولو اردنا تعداد منتزهات طرابلس لضاق بنا المجال. وحسبنا ان نقول ان طرابلس كلها منتزه عام والسلام.

ويقسمون طرابلس الى تسع محلات – أو حارات – وهي كما يأتي: بوابة الحدادين – المهاترة – النوري – الرمانة – التربيعة – العدسة – باب الحديد – الجسرين – باب التبانة وفيها قبة النصر التي تحاكي موقع الرفاعية في بوابة الحدادين لأنها بلحف جبل كتلك.

ويمتد من طرابلس الى مينائها خط حديدي معروف بالترامواي، تجره الخيل، وبحذائه طريق شوسة تسير العربات العادية. وطول هذا الطريق نحو أربع كيلومترات، وعلى جانبي الطريق ترى أشجار الأزدرخت الباسقة اللطيفة، وفي منتصف الطريق قهوة وفوقها مستشفى البلدية وأمامه مصلى وحوض ماء متسع ( بركة المرج ) وبين طرابلس وحمص طريق شوسه أيضاً طول 135 كيلومترا وهذا الطريق والطريق الممتد للآسكلة ( الترامواي ) هما لشركة وطنية عثمانية بموجب فرمانات عالية.

وأزقة طرابلس وشوارعها مبلطة ونظيفة. فالشوارع المشادة حديثاً واسعة طلقة الهواء أما القديمة فإنها ضيقة على الطراز القديم. أما شوارع الأسكلة فهي أيضاً مبلطة والجديد منها متسع. وتدور العربات حول الميناء على الساحل البحري لوجود طريق شوسة تحيط بها، وقد اصلحت مؤخراً وأصبحت نزهة للناظرين.

وبمناسبة السنة الخامسة والعشرين لتبوأ سيدنا ومولانا أمير المؤمنين السلطان الغازي عبد الحميد خان الثاني، نصره الله وأعلا بالظفر اعلامه، قد أنشئت قلة ( برج ) ساعة عمومية تجاه دار الحكومة السنية، وبلغت أكلافها نحو ألف وخمسمائة ليرة عثمانية، فهي كالعروس تتجلى في فسحة التل بين تلك الرياض والأبنية الفاخرة وهي ذات أربعة وجوه.

أما تنويرات البلدية فإنها تنار ليلاً بزيت الغاز المعروف – البترول – ففي البلدة نحو 600 فانوس وفي الأسكلة نحو 200 فانوسوفي طرابلس ويناها إدارتان للبريد والبرق ( الوسطة والتلغراف ) العثمانية وعدة ادارات بوسطة اجنبية ، ومنها فرنساوية ونمساوية وروسية وغيرها. واقدمها البوسطة الفرنساوية التي استعملت بدلاً عن طوابع البريد قبل استعمالها ختماً تحت عدد 3773 من سنة 1850 الى 1852، ثم أبدل بختم تحت عدد: 1501 ظل استعماله من سنة 1852 – 1882 ، حيث أبدل بختم ذي تاريخ الي سنة 1885، ومن ثم صاروا يبدلون طوابع البريد الفرنسي حتى يومنا هذا.في عام 1310هـ 1893 م أنشأ الاديب محمد كامل البحيري، في الفيحاء، جريدة علمية أدبية اسمها ( طرابلس - الشام ) وتطبع في مطبعة أسسها جامعة اسباب الاتفاق وفاقت كثيراً من مطابع البلاد، وكانت تطبع الكتب العربية والتركية وغيرها. وكان هناك مطبعة أخرى حجرية لطبع أوراق إدارة شركة طريقي الشوسة والترامواي.

وفي طرابلس كثير من المدارس العلمية للمسلمين والنصارى، وتراها طافحة بالطلبة الادباء وفيها المكاتب الرسمية : ( المكتب الإعدادي الملكي ) ومكتب ( نمونة ترقي ) ويعني المكتب المدرسي النموذجي، وفيها مدرسة خيرية للإناث المسلمات أيضاً، وفي كل محلة من محلات البلدة كتاتيب ومدارس للأطفال وطنية، ووفيها مدارس كثيرة ايضاًللطوائف المسيحية وغيرها ، كمدرسة الفريــر ( College de Frères ) والمدرسة الروسية والراهبات العازارية ( المحبة ) ( Soeurs de la Charité) والطليان (Pères Carmes ) وغيرها.

1-حضرت الدفعة الاولى من راهبات المحبة عام 1863 وبنت مدرستها في محلى النوري ( اللغة فرنسية ).

2-في منتصف القرن التاسع عشر دخل المرسلون الاميركيون الانجيليون (بروتستانت) وبنوا مدرستين الأولى في الميناء والثانية للذكور في محلة القبة ( اللغة انكليزية ).

3-أما مدرسة الفرير ( College de Freres) فقد تأسست عام 1886 في محلة الزاهرية ( اللغة فرنسية).

4-في الربع الاخير من القرن التاسع عشر أنشأت " الجمعية الإمبراطورية الأرثوذكسية الفلسطنية " أربع مدارس في طرابلس والميناء، واغلقت بعد قيام الحكم السوفياتي عام 1917 ( اللغة الروسية ).

5-مدرسة الآباء الكرمليين ( Pères Carmes) أسست عام 1875 (اللغتان الايطالية الفرنسية )، كل ذلك لإضافة الى العربية وعلوم أخرى.

لم يكن خط القطار الحديدي قد أنشئ بعد في طرابلس ولذلك نرى الكاتب يقول: ان طرابلس في حاجة ماسة الى تمديد خط حديدي بينها وبين حمص فتتصل إذ ذاك بحماه ودمشق وبيروت من الشرق. ثم إذا أكمل الخط الحيديدي اللبناني، الذي وصل الى محطة المعاملتين وأوصل في طرابلس، اتصلت بيروت ولبنان من الجهة الغربية الجنوبية ثم إذا جعل لها مرفأ – وحالتها الطبيعية تساعد على ذلك بمصرف وجيز – نظراً لوجود أثر مرفأ قديم بين الجزائر الصغيرة المنتشرة في الجانب الغربي الشمالي. اضحت طرابلس زهرة البلاد السورية ولاقيام لطرابلس الا بهذه الثلاث طرق.

وعن الحالة الصناعية في بداية القرن العشرين يقول المؤلف:

" في طرابلس ثلاث عشرة مصبنة، ومعاصر للزيتون والسمسم لإستخراج السيرج ( زيت السمسم ) وفيها طواحين عديدة تدار بمياه نهر ابو علي، وينسج في طرابلس الكثير من المنسوجات كالشالات والزنانير الحريرية والشراشف والمآزر وغير ذلك من المنسوجات المختلفة.

ويستخرج فيها ماء الزهر وماء الورد وكانت تصدر هذه الحاصلات الى اسطنبول ومصر وحلب ومرسيليا وروسيا. وكان يستخرج من بحرها الاسفنج الجيد ويصدر الى فرنسا والنمسا قد بلغ مقدار الصادر منه من ميناء طرابلس عام 1889 نحو ثلاثين الف ليرة.

اما الصنائع العادية في طرابلس فكثيرة ، ففيها الحدادون والنجارون والبناؤون والمليسون وعملة الأحذية والخياطون وغير ذلك من الحرف والصنائع الضرورية.

وفي عام 1327 هـ 1909 ميلاديه، صدرت الإدارة السلطانية بإعطاء الامتياز للخط الحديدي بين طرابلس وحمص الى شركة دمشق وحماه وبوشر بالعمل ( عن كتاب سمير الليالي) طول هذا الخط 102 كلم وقد احتفل بافتتاحه عام 1911.

هذا الخط الجديد أعاد لطرابلس قليلاً من الازدهار التجاري إذ وصلها بحمص وحماه وحلب، ومن حمص الى بيروت عبر دمشق، إذ لم يكن الخط الحديد الساحلي بين طرابلس وبيروت قد أنشئ بعد.

في عام 1931 تم تمديد نفط الموصل الى طرابلس. وجرى إنشاء مصفاة للنفط وتم تشغيلها عام 1942 وكان ذلك من خلال شركـة انكليزية تعرف بإسم ( شركة نفط العراق ) ( IRAQ PETROLUM COMPANY ) ( I.P.C) وكان يدير المصفاة مهندسون بريطانيون، ويشغل المرافق الهامة فيها موظفون بريطانيون ، وكان يترك لللبنانيين الوظائف الصغرى، الخطرة والمرهقة وقليلة القيمة، أعمال التشغيل والصيانةعلى امتداد الأنابيب وأعمال التفريغ والشحن للناقلات أضافة الى الحرف اليدوية، حدادة ونجارة وبناء واعمال الحراسة والتنظيف.

ولنعطي صورة عن مستوى الإنتاج في هذه المصفاة نأخذ عام 1957 مثالاً: في هذا العام تم تصدير 2.757.622 طن من النفط الخام نقلتها 189 ناقلة نفط، وأنتجت المصفاة 500.984 طناً من المشتقات النفطية.