زيارة ( ماكس فان برشم ) (Max Van Berchem

طرابلس في بداية القرن العشرين ( من خلال الرحالة والزوار)

زيارة ( ماكس فان برشم ) (Max Van Berchem )

يقول:

في اليوم الثاني لزيارتنا بينا لنا الخصائص الإيطالية لشوارع ومعالم طرابلس، وبحثنا من خلالها سبب تأثير المدن الاإيطالية خلال الحروب الصليبية على المدن البحرية لسوريا. من المؤكد ان طرابلس كانت تقوم في الفترة الصليبية على موقع المدينة القديمة أي في الميناء والبساتين المحيط بها، وحيث أن الميناء ليست سوى بلدة عربية، فإن البحث عن آثارصليبية يبدو يائساً. ولكن أثناء الفترة اللاتينية قام حي هام ونما حول قلعة سان جيل، في موقع المدينة الحالية.

في نهاية القرن الثالث عشر ورث هذا الحي من المدينة الساحليةوالتي دمرها فتح قلاوون ومن ثم أصبحت خاضعة لخطط المدينة الجديدة.

إن العلاقات التجارية بين إيطاليا والساحل السوري لم تتوقف بسبب سقوط المؤسسات اللاتينية، يشهد بذلك المعاهدات الموقعة بين الجمهوريات الإيطالية والسلاطين المماليك والاإتصالات القائمة من خلال المسافرين والحجاج حتى نهاية العصور الوسطى. وبما أن قسماً من طرابلس الصلبية يقع في المدينة الحالية، فليس غربياً أ نجد فيها بقايا هامة من الاحتلال الصليبي.

إن قلعة سان –جيل ( Saint-Gilles ) والتي يمكن أن يكون أصلها سابقاً للفترة الصليبية، تبدو قد أعيد بناؤها أو على الأقل عدلت كثيراً منذ الفتح الإسلامي, وأثناء مرورنا قرب أسفل جدرانها والتي لم نستطيع دخولها، توقفنا لبرهة عند الجامع الكبير.

هذا البناء القائم في وسط المدينة، بني حسب المخطط التقليدي للمساجد الكبرى والتي تحتوي أربعة أبواب تحيط بصحن واسع مستطيل الشكل، هذه الأبواب ذات عقود مضلعة وتنفتح على الصحن بأقواس مروسة ( Arcs en tries-Points) تتكيء على ركائز مربعة ضخمة. من الجهة الجنوبية يقع بيت الصلاة ( الحرم ) المؤلف من رواق مزدوج وفي صدره يقوم المحراب والمنبر تعلوهما قبة. في وسط صحن المسجد يقوم بناء من قطاعين، الجزء الشمالي تعلوه قبة وفيه حوض الوضوء.

المظهر العام للبناء بارد وغير أنيق، خطوط المسطحة يغشاها ملاط أبيض يغطي كل الجدران، على الجهة الشمالية من الخارج ترتفع مئذنة ضخمة مربعة، تنفتح من جوانبها نوافذ مزدوجة تحفها أعمدة صغيرة والكل تتوجه قبة صغيرة حديثة.

المدخل الرئيسي في وسط الجهة الشمالية، ومن تحت قوس مسنن عربي الطراز نعبر الى بوابة معقودة متصالبة في صدرها ينفتح باب، يطرح شكله المغاير مسألة مهمة.عقده المسنن منحوت بصفين من اسنان المنشار محاطين بناتئة تستقر على أعمدة صغيرة نحيلة، يتجانها قوطية. هذا العقد يؤطر باباً عربيالطراز، مطولاً بقوس مسنن يرتكز على عتبة من قطعة واحدة وبدورها ترتكز على منضدتين وتضم جبهة مقفلة غير أنيقة عليها زخرفة من الفترة العثمانية.

الكتابة العربية المنقوشة على العتبة تنسب بناء الجامع للسلطان خليل الذي انشأه عام 1294/م. أي بعد خمس سنين على تحرير طرابلس من قبل والده السلطان قلاوون.الأجزاء اللاتينية لهذا الباب قد تكون بقايا كنيسة سان جان ( Saint-Jean) في الموقع ذاته والتي حولت الى مسجد التقاليد المحلية للفاتحين المسلمين.

و من الممكن أن تكون هذه الأجزاء آتية من كنيسةسان-جيل أو من كنيسة أخرى ونقلت الى موقع من قبل الباني تخليداً للإنتصار على الفرنجة، كما حصل لباب كنيسة القديس يوحنا في عكا ( Saint-Jean D’Acre ) التي نقلها السلطان خليل من هذه المدينة ونصبها أخوه السلطان محمد على مدخل مدرسته في القاهرة. هذه المعضلة لا تجد لها حلاً إلا من خلال كشف جديد ، مرفق بتحقيق حول موقع كاتدرائية سان-جان.

في الطريق بين الجامع الكبير ونهر قاديشا، يقوم حمام عربي بناه نائب طرابلس الامير عز الدين أبيك والذي توفي في هذه المدينة عام 1298 ودفن في ضريح بالحمام. هذاالبناء ينفتح علىالشارع ببوابة موسها مسنن هي عمل عربي ولاتيني. على رأس هذا القوس توجد العناصر المنحوته التالية: في الوسط رصعية دائرية وزخرفة غير مصقولة ربما تكون شعاراً، والى اليسار واليمين صدفة الحجاج وفوقها بالاحرف القروسطية الكبيرة والجميلة التكابة المنحوتة ( SCS IACOBUS) هذا العنصر أسلوبه لاتيني بحت ويعلوه جزء من طنف يدل مظهره أنه لاتيني، في عمق البوابة ينفتح باب نحت على عتبته" الحمل الفصحي " تحفه وريدات و يعلـوه النقش التالـي ( ECCE AEN DEI ) ولقد افترضنا أن هذه الأجزاء آتية من مضافة الحجاج التي أشارت إليها احكام الفترة الصليبية في ريض طرابلس، مما يفيد أن هذه المؤسسة الموسومة هنا بالأصداف كانت موضوعة بإسم القديس جاك ( Saint Jacques) وأخيراً يمكن ان تكون على علاقة باسم تلة الحجاج ( Mont Pélérins) ( Mons Pérégrinorum ) الذي أعطاه كتاب القرون الوسطى للتلة التي تقوم عليها مدينة طرابلس الحالية. هنا كما في الجامع الكبير، يعود لفحص كامل إثبات أن البناء العربي حيث وجهة الإنتفاع العام توحي من بعيد الى مضافة سان جاك، يحتوي على بقايا مهمة من المضافة، أم أن الأجزاء التي نشير إليها هي مجرد حلية أوطنف نجا من اجتياح الفتح الإسلامي.

في وسط البساتين المحيطة بالمدينة من الجهة الجنوبية الغربية، يقوم جامع طيلان، وهذه التسمية العامية أو الإبدال لإسم الأمير طينال، نائب طرابلس إبان سلطنة محمد بن قلاوون والذي شاد هذا البناء عام 1336 حسب الكتاب العرب، ومؤيداً بالنقش الكتابي النقش المقروء على الجدران من النظرة الاولى. إن مظهر البناء الخارجي وخاصة شكل قبابة، توضح أسلوباً عربياً محضاً ولكن حسب التقاليد فهو يقوم مكان كنيسة دمرها الفتح الاسلامي عام 1289. هذا الرأي يظهر مؤكداً من خلال الشكل غير المألوف المخطط المبنى. انه يتألف من جزأين مغارين ففي الشمال مسجد صحنه الرئيسي يحتوي على باحتين مقببتين وفي الجنوب مشهد تعلوه قبة قائمة على عنق مثمن، تحدها مئذنة وغرفة مدفن يحتوي على قبور. باحتا الجامع محفوفتان بأقواس مقوصرة مجهزة بغرابة وهي تتكئ على أعمدة يتجانها كورنيثة تعود لفترة سابقة.

أقواس، أعمدة ويتجان ربما تعود للكنيسة البدائية كما في المسجد الاقصى في القدس، وفي الحلاوية بحلب، وعدة مساجد سورية أخرى.

إذا كانت هذه الععناصر قد بقيت في مكانها، فإنها تعين الصحن الرئيسي ، وجنبي هذه الكنيسة، حيث حل المصلى الاسلامي محل صدر الكنيسة.

للمصلى قبة تقوم على قاعدة مربعة، تحملها أربع ركائز مزواة ومحاطة بشكل من الجوانب ( اروقة جانبية ) في الجنوبي منها يقوم محراب كبير للقبلة، تعلوه في وسط الرواق قبة صغيرة مضلعة. هنا أيضاً يمكن ان نجد بقايا الكنيسة البدائية.

من المسجد الى المصلى ( Mausolee) ندخل عبرب بوابة فخمة، وبنية على الأسلوب العربي الصاقي للقرن الرابع عشر، هذه الزخرفة الرائعة، قد تكون النوذج الاجمل للفن العربي في طرابلس، وتذكر القاهرة أكثر من دمشق، وكما أن طرابلس كانت تتبع مصر، فمن الناحية التجارية، كان الشاطئ الفينيقي من عدة نواح، أقرب لوادي النيل منه للداخل السوري.

إن المأثورات هي التي ترجع أثراً مذكوراً في أعمال الرحالة في القرون الاخيرة الى الصليبيين: نريد التحدث عن قناطر المياه الحجريةالتي فوق نهر قاديشا، على أقل من كيلومترين أعلى من القلعةوالتي لازالت تزود طرابلس بالمياه. وبالتوافق مع المأثور فإن الإسم الشعبي لهذا العمل الفني ( قناطر البرنس ) ( Qunatir-Al-Brins ) وينسب البناء لأحد إقطاعي طرابلس اللاتين، وهو مبني بالمؤونة والحجارة ويرتكز على قواعد سميكة تجمعها ثلاثة أقواس مسننة.

إلى جانب هذه المعالم الهجينة، تتمثل العمارة العربية بعدد كبير من المساجد والمدارس والمساكن الخاصة، التي تشي رغم خرابها بأفضل مآثرفترة السلاطين المماليك. ولعالم الآثار الذي يحاول الكشف المنهجي أن يحصد منها حصاداً وافراً من التفاصيل الرائعة وعناصر معمارية وزخارف تنم عن ذوق أصيل مرهف. ولتوجيهه في بحثه ، لديه المصنف الممتاز الذي نشره وفنده السيد سوبرنهايم على ضوء المصادر التاريخية لكل الكتابات العربية المنقوشة في طرابلس.