تاريخ المدينة

أكارم حَسَد الأَرضَ السماءُ بهم وقصَّرت كلّ مصرٍ عن طرابلس ( المتنبّي ) تقع مدينة طرابلس – لبنان في الطرف الساحلي الشمالي للجمهورية اللبنانية هي ثاني أكبر مدينة بعد العاصمة بيروت، إذ يبلغ عدد سكانها حوالي 500 ألف نسمة ويزداد هذا العدد نهاراً بسبب الدفق البشري الذي يرتادها من المناطق المجاورة. طرابلس عاصمة لبنان الشمالي الذي يضم سبعة أقضية وهي: قضاء طرابلس – قضاء البترون – قضاء الكورة - قضاء بشري – قضاء الزاوية – قضاء الضنية – المنية وقضاء عكّار. موقعها الجفرافي على خط طول/ ً20 َ44 ْ35 وخط عرض / ً26 َ26 ْ34 شمالاً مساحتها 20.4 كلم2 وهي تتوسط الساحل الشرقي للبحر الأبيض المتوسط. تبعد عن العاصمة بيروت حوالي 80كلم وعن الحدود السورية حوالي 35كلم تتمتّع طرابلس بمناخ متوسطي معتدل، وتشرف عليها سلسلة جبال لبنان الغربيّة بأعلىقممها ( القرنة السوداء ) 3080م ( ظهر القضيب ) 3067 و ( فم الميزاب ) هذه القمم التي تكلّل لبنان بتاج من الثلج الأبيض- ومن هنا جاءت تسميته- تضم في أحضانها أجمل وأعلي مصايف لبنان، مثل بشري وحصرون والحدث وإهدن وسير وبقاع صفرين وفنيدق في جبال عكار حيث غابة القموعة الشهيرة. وإنطلاقاً من البحر في طرابلس تستطيع الوصول الى الجبل على ارتفاع 1000م وأكثر حيث المصايف، خلال نصف ساعة، وخلال ساعة الى أماكن التزلّج. وطرابلس في امتدادها نحو الميناء تشكّل شبه جزيرة يزنّرها البحر من ثلاث جهات جنوباً وغرباً وشمالاً هذا البحر الذي ارتبط به تاريخ المدينة ومنه وعبره انطلقت سفنها الى العالم منذ الفينيقيين حتى عصرنا الحاضر. يحفل شاطىء طرابلس بالجزر الصغيرة والمتوسطة، إذ تمتد أمامه سلسلة من الجزر غير المأهولة حالياً، مما يميّزه عن سائر الشاطىء اللبناني. أول هذه الجزر ( جزيرة البقر ) القريبة من الشاطىء وكانت لأمدٍ قريب تستخدم كحوضٍ جاف لبناء وإصلاح السفن من هنا تسميتها أيضاً ( جزيرة عبد الوهاب ) نسبة لإسم العائلة التي كانت تمارس فيها صناعة السفن والمراكب وإصلاحها وقد تم حديثاً بناء جسر سياحي للمشاة ربطها بالشاطىء. تليها ( جزيرة البلاّنة ) وتبعد حوالي ألف وخمسمئة متر 1500م عن الشــاطىء، ثـم ( جزيرة سنني ) وتبعد نحو ستة كيلو مترات، بعدها ( جزيرة النخل ) أو ( الأرانب ) حيث كانت تعجّ بهذه الحيوانات في فترة سابقة، هذه الجزيرة هي أكبر الجزر على الشاطىء تبلغ مساحتها 150.000م2 مئة وخمسون ألف متراً مربعاً وأعلى موقع فيها يبلغ ستة أمتار وتبعد عن الشاطىء حوالي 10كلم عشرة كيلومترات. وقد دلت الحفريات التي أجراها د. حسّان سركيس من مديرية الآثار اللبنانية، رئيس دائرة الشمال، على بقايا أبنية وتمّ العثور على قطع خزف من الفترة الرومانية حتى العصور الوسطى. آخر هذه الجزر ( جزيرة الرمكين ) أو ( الفنار ) حيث توجد منارة لهداية السفن. إن أول مرة ذكرت فيها هذه الجزر كانت على لسان الجغرافي العربي ( الإدريسي ) في القرن الثاني عشر إذ يقول: ويقابل مدينة طرابلس أربع جزائر في صف، فأولها مما يلي البرّ ( جزيرة النرجس ) وهي صغيرة خالية وإليها ( جزيرة العمد ) ثم ( جزيرة الراهب ) ثم ( أرذقون ) الإدريسي ( نزهة المشتاق في اختراق الأفاق ) وهذه الجزر هي اليوم محميات بيئية طبيعية ومواقع سياحية. في تاريخ طرابلس بين الجغرافيا والتاريخ يعبر نـهر قاديشا ( أبو علي ) ينبع هذا النهر من مغارة قاديشا التاريخية، عند أقدام أرز لبنان وينحدر من هناك عبر وادي الكنائس والأديرة والمحابس، حتى يصل الى المخّاضة قرب زغرتا، هناك يلتقي برافده القادم من الشرق، من نبعي جوعيت ورشعين، وينطلق نهراً واحداً عبر بساتين الليمون في المرجة، مرويّاً أرضها ومديراًَ لطواحينها، حيث طواحين الحجيج والبريج والمحمودية، ثم يدخل وادي الزهور، بين تلتي المدينة: قبة النصر الى يمينه وارتفاعها ستون متراً وأبي سمراء الى يساره وارتفاعها ثمانون متراً، حيث يربض في فيئها مقام الخضر ( عليه السلام ) والمولوية بأنهارها السبع والوادي بطواحينه الثمان، ماراً أمام عيون الواجهة الشرقية للقلعة، داخلاً المدينة عند بوابة الطواحين في السويقة شرقاً والمسجد البرطاسي غرباً. بين السويقة والسوسيّة، يعبر النهر الجسر العتيق، ويجري بين البيوت والقصور المملوكية التي تقوم أساساتها على ضفافه، ولـها عليه منافذ وسلالم يغسل أقدامها، وتنعم بمائه، وتحسب ألف حساب لثورة غضبه. عند الجسر الجديد ينتهي هذا المشهد ( البندقي ) حيث يقوم الجغل الذي يوزع المياه فيترك جزءاً من النهر يسير بين البيوت في منطقة المسلخ، ويسمح للجزء الأكبر بالتحول نحو الدبّاغة، حيث يتابع مسيره وحيداً بين البساتين والجنائن ساقياً الضفتين حتى مصبّه في البحر عند برج رأس النهر. في وسط المسافة بين الجسرين يقوم جغل صغير ( سدّ ) بتحويل جزء من مياه النهر نحو السقي الغربي في طرابلس، عبر مجارٍ معقودة تحت أبنية المدينة وعبر شبكة تتوزع خيوطها في كل أطراف المدينة. كان هذا النهر يحقق جزءاً كبيراً من غنى المدينة، لكنه كان في الوقت نفسه أحياناً سبباً لتبديد ثروتها. فمنه خيرها ومنه بلاؤها. من الصيد كانت تعتـاش عائلات كثيرة، حيث كـان النهر يعجّ بالأسمـاك وخـاصة " الحنكليس" وهو نوع من السمك الأفعواني لذيذ الطعم، غني بالدهون، وكانت المطاعم التي تقدم الأسماك المقليّة تنتشر في منطقة المسلخ وعند الجسر الجديد أو جسر اللحّامة، وبالإضافة الى ريّه بسـاتين المدينة جاعلاً منها حدائق غنّـاء ومضفياً على المدينة تسميتها ( الفيحاء ) ومحققاً لها ثروة من مداخيل المنتجات الزراعية التي كانت تصدّر الى مختلف الأنحاء، كان النهر يؤمن لطواحين المدينة ( طاقة نظيفة ) ومجانية لإدارتها. هذه الطواحين التي كانت تحقق للمدينة نوعاً من الإكتفاء الذاتي، وتؤمن للكثير من العائلات الكفاية وأحياناً الغنى. لكن هذا النهر كان يثور أحياناً مبدداً الخيرات ومسبباً الأحزان، ففي آخر ثورات غضبه والتي كانت مساء السبت في 17 كانون الأول عام 1959، فاض هذا النهر حتى بلغ ارتفاع مائه ستة أمتار أعلى من مجراه الطبيعي، فجرف محتويات منازل ومحلات الضفتين وأتلف بضائع الخانات والمستودعات التي تقوم على جانبيه، حيث كانت اهم مراكز المدينة التجارية وخاصة الغذائية، ولم يرحم البشر، إذ بلغت حصيلة ضحاياه مئتي رجل وامرأة من أبناء المدينة. يروي البعض أنه سمّي ( أبو علي ) بسبب فيضاناته المدمرة، إذ كان الرجال الأشداء يلقّب واحدهم ( أبو علي ) وتفيد بعض المصادر أن التسمية كانت نسبة الى ( أبو علي بن عمّار ) قاضي المدينة وحاكمها آنذاك، والذي هاجم القلعة التي كان يتحصن فيها الصليبيون، من جهة النهر، فدمّرها وأسر حاميتها. بعد الفيضان الأخير، تمّ هدم الأبنية القائمة على الضفتين، وبني سدّ صغير عند المولوية لتوزيع مياه السقي، ومنه انطلق مجرى من الإسمنت المسلح تحيطه من الجانبين سكك واسعة ترافقه حتى مصب النهر من البحر شمالاً. إن الحفريات التي أجراها الدكتور حسّان سركيس، مدير آثار لبنان الشمالي في طرابلس وجوارها أثناء السبعينات من القرن العشرين، دلت أن المنطقة كانت مأهولة منذ العصر البرونزي المتأخر، حيث تم العثور على أدوات ومواد تعود لتلك الفترة. وهناك شبه إنقطاع في المعلومات حتى الفترة الفينيقية، مما يستدعي تنقيباً جديداً وشاملاً تحول دونه المدينة القائمة فوق الموقع القديم للمدينة، إذ أن الطبقات موضوع التنقيب تقوم تحت أبنية المدينة. إن ما وصلنا من الفترة الفينيقية جاء من المؤرخين القدامى، اليونـان والرومـان ديودور ( Diodore ) وسترابـون ( Strabon ) وبـلين ( Pline L`Ancien)وهيرودوتــس ( Herodotus ) وبالإضافة الى الدراسات التي تلت نستطيع بناء قاعدة صلبة لتكوين المدينة وهي: " إن طرابلس كانت تتألف من ثلاث مدن أو أحياء متّحدة تتبع صور وصيدون وأرواد، وأن كلاً منها كانت محصنة ومسوّرة، وأن إحداها كانت في الموقع الحالي للميناء". وبما أن ديودور جعل في تأريخه للمدينة، المسافة بين الواحدة والأخرى مسافة ستاد ( Stade ) وهو يعـادل 185 متراً، فهذا يدلّ أن المدن الثلاث كـانت جميعها في الموقع الذي يسمّى اليوم الميناء. يقول ديودور: " توجد في فينيقيا مدينة هامة تسمى تريبولي (Tripolis ) وينبع اسمها من تكوينها لأنها كانت مؤلفة من ثلاث مدن تبعد إحداها عن الأخرى مسافة ستاد ( Stade ) ، إن المدن الثلاث كـانت تسمّى حسب تـابعيتها ( مدينة الأوراديين ) ( مدينة الصوريين ) و ( مدينة الصيدونيين ) وقد بلغت المدينة الموحّدة شهرة كبيرة إذ أقام فيها الفينيقيون مجلسهم المشترك للتداول في القضايا ذات الأهمية القصوى ". ديودور وفي المصادر التاريخية جاء أن كل مدينة كانت ممثلة بمئة عضو يشاركون في هذا " البرلمان الإتحادي " الأول في التاريخ المكتوب والمكوّن من ثلاثماية عضو، وأول ما وصلنا عن هذا البرلمان أو مجلس الشورى هو إنعقاده في القرن الرابع قبل الميلاد للتشاور في الأمور ودراسة السبل الآيلة للتحرر من الفرس الذين كانوا يهيمنون تلك الفترة على الساحل الفينيقي. كان أعضاء البرلمان يقيمون مع عائلاتهم، وكان يتبعهم جهاز إداري مساعد وذلك ما استدعى وفود عناصر بشرية أخرى لتلبية متطلبات هذه المجتمعات، وبما أن الفينيقيين تجّار بالفطرة، ورغم الهيمنة الفارسية، فقد عرفت المدينة إزدهاراّ إقتصادياً إذ أصبحت مركزاً تجارياً هاماً، وهيّأ لها موقعها الجغرافي الممتاز أن تتصدّر تجارة شرق المتوسط، بالإضافة الى القوافل التجارية المنطلقة الى الداخل السوري ومنه وإلى مناطق أخرى أكثر عمقاً. إن التنوع الكبير للنقود المعدنية التي سُكّت في طرابلس في تلك الفترة تدل بوضوح على أهميتها كمركز ماليّ ومرفأ رئيس في الشمال الفينيقي. ويعتقد بعض الأثرييّن أن بناء طرابلس سابق للمدينة مثلّثة الأحياء، وأن المدينة الإتحادية بنيت فوق مدينة فينيقية أكثر قدماً لم تبيّن الدراسات اسمها حتى الآن. إذا كانت تسمية طرابلس (Tripolis ) قدر وردت أول مرة في التاريخ على لسان ديودور فإن أسماء أخرى وردت عبر مصادر مختلفة ومنها: " إن إحدى القطع المعدنية المسكوكة في طرابلس في العام /189/ ق.م. حملت الأحرف الفينيقية ( p q <) والتي ترجمتها لفظياً ( أثر ) ( ATAR ) ويعتقد بعض الأثريين أنه الإسم الفينيقي للمديـنة. كمـا وردت في مدونـات الفرس عـند الـملك سلمنصّر الثــالث ( Salamanasar III ) خلال حملته في عام 841 قام باسم ( ATRI ) . بالإضافة الى ذلك ورد في حوليّات الملك الأشوري ( أشور نزيربال الثاني ) ( AshurNasirpalII ) تسميته أحياء طرابلس كما يلي ( محلاّت – Mahallat ) و ( ميز– Maiz) و ( كيز – Kaiz ) ويعتقد د. حسّان سركيس أن ( واهليا – Wahlia ) هو اسم لطرابلس في القرن الرابع عشر ق.م. كما ورد في مراسلات تل العمارنة، وأن ( محلاّتا – Mahallata ) هو اسم لـها في القرن التـاسع ق.م. كمـا ورد في لوائح الجزية الخـاصة بالملك الأشوري ( أشور نزيربال الثاني ). إن غنى الساحل الفينيقي، وازدهار تجارته جعلته محط أنظار العالم القديم. فقد كانت السفن الفينيقية تجوب الآفاق في حوض المتوسط حيث أقيمت الجاليات الكبيرة، وفي المحيطات في الأطلسي إلى الهندي، حيث أقيمت المحطات التجارية إلى العالم الجديد الأمريكي، إذ تفيد احدث الدراسات أن الفينيقيين وصلوا إلى العالم الجديد قبل كولومبوس بألفي سنة. أضف إلى ذلك مناخاً متوسطياً معتدلاً وطبيعة غنية فائقة الجمال ساحرة كل ذلك جعل منه مطمعاً للأقوياء. وبما أن موقعه الجغرافي، يحتل الضفة الشرقية للبحر المتوسط، ويصل ما بين أوروبا في الشمال وأفريقيا في الجنوب ، عدا كونه المنطلق الرئيسي للعمق الآسيوي، فقد اصبح طريقاً للغزاة ومعبراً لجيوشهم ومستقراً لقادتهم وولاتهم. تقع طرابلس وسط هذا الساحل ولكن أهميتها الاستراتيجية تكمن في وقوعها عند نهاية منحدرات جبال لبنان وعلى بوابة الداخل الأوروبي الآسيوي عبر ( ثغرة حمص ) ذلك المعبر الطبيعي الهام والذي أعطى لطرابلس قسطاً وافراً من غناها الاقتصادي عبر القوافل التجارية التي تفد إليها حاملة الغلال والبضائع وتخرج منها بتجارة البحر وبضائع فينيقيا إلى كافة مناطق آسيا. وفي الوقت ذاته حمل هذا الواقع بلاء الجيوش الجرارة المتحركة من بلاد ما بين النهرين وفارس وآسيا الصغرى باتجاه مصر، وجيوش الفراعنة بالاتجاه المعاكس ولذلك لم تنعم طرابلس بالاستقلال سوى فترات قليلة من تاريخها القديم منذ الإمبراطورية الاشورية الأولى. كان الصراع على اشده بينها وبين مصر للهيمنة على الساحل الفينيقي. وكان على فينيقيا أن تدفع الجزية لهذا الطرف أو ذاك. ودفعت بعض المدن الفينيقية ثمناً باهظاً لتمردها. ففي عام 677 ق. م. دمر الملك اسرحدون صيدا وسبى أهلها. وكذلك في العصر البابلي الأخير فان الملك نبوخذنصر استعاد سيطرة اشور في الغرب من المصريين واخضع المدن الفينيقية التي شقت عصا الطاعة، وفرض الجزية. كانت نهاية بابل على يد الملك الفارسي كوروش الذي دخلها عام 539 ق.م وامتد نفوذ الفرس إلى الغرب وارثاً البلاد التي تخضع لسلطانها وبذلك أمست المدن الفينيقية أسيرة المنتصر الجديد لمدة مئتي سنة تقريباً حتى جاء الاسكندر وقضى على الإمبراطورية الفارسية وملحقاتها وسيطر على الساحل الفينيقي، وعصت عليه صور فحاصرها مدة طويلة حتى أخضعها فدمرها واحرقها، وخضعت له فينيقيا بأسرها. برز اسم طرابلس كمدينة هامة في القرن الرابع قبل الميلاد،وان كانت بعض الدراسات ترد تاريخها إلى مرحلة اقدم بعدة قرون. فبعد أن كانت المدينة قد تشكلت من ثلاث جاليات تابعة لمماليك فينيقية ثلاث هي صيدا وصور وارواد، انعقد فيها بين عامي 352 و351 ق.م. المؤتمر الفينيقي الذي كان هدفه التخلص من الهيمنة الفارسية وانطلقت شرارة الثورة من طرابلس وتبعتها سائر المدن الفينيقية. في تلك الفترة ورغم السيطرة الفارسية وبالتالي دفع الجزية، فقد عرفت طرابلس ازدهاراً تجارياً وغنىً واسعاً هيأه لها موقعها الاستراتيجي الممتاز وبراعة اهلها التجارية. في عام 333 قضى الاسكندر على نفوذ الفرس في طرابلس لتبدأ المدينة عهدها اليوناني. بعد وفاة الاسكندر المقدوني المبكرة والمفاجئة، بعد أن خضعت له المنطقة من مصر حتى فارس، اصبح الساحل الفينيقي منطقة تجاذب وصراع بين خلفاء الاسكندر وقواده البطالسة والسلوقيين الذين راحوا يتنازعون السلطة والمناطق فيما بينهم . وبدأت أهمية طرابلس بالتضاؤل والتراجع نتيجة هذا الواقع، ولم تعد لها تلك الأهمية التجارية السابقة،إذ كل ما ذكرته المصادر التاريخية عنها في تلك الفترة أنها كانت مجرد قاعدة لبناء السفن ومحطة لتحرك الجيوش. وبقي الوضع كذلك حتى احتل الرومان الساحل الفينيقي عام 64 ق.م. بقيادة بومبيوس، ومنذ ذلك الوقت أصبحت طرابلس مدينة ثانوية داخل الامتداد الكبير للإمبراطورية الرومانية رغم أن بعض الحوليات التاريخية تفيد أن الرومان جملوها بأفخم الأبنية وبنو فيها معابد عديدة وفي جوارها القريب كذلك، وبقي الحال كذلك في المرحلة البيزنطية سوى أن البيزنطينن جعلوا منها مدينة منيعة بأسوارها وقلاعها.دام هذا الواقع حوالي ستمائة سنة، حتى جاء الفتح العربي ليكتب للمدينة تاريخها الجديد.